أحيانًا يكون الشخص الخطأ هو أكثر شخص ننجذب نحوه، وهذا ليس لأنه مميز أو يمنحنا شيئاً مختلفاً، بل لأنه يحرّك بداخلنا أشياء لا نعرف حاجتنا لها بعد. قد يكون هذا الشيء احتياجًا قديمًا للاهتمام، أو خوفًا من الوحدة، أو رغبة في إصلاح شخص آخر حتى نشعر أننا مهمون في حياته.
لهذا قد يتكرر نفس النمط أكثر من مرة. ندخل علاقات مختلفة مع أشخاص مختلفون، لكننا نخرج منها بنفس الشعور: قلق، استنزاف، وخيبة أمل. وذلك لأننا لم نفهم حقيقة الأسباب النفسية التي تجعلنا نختار نفس النوع من الأشخاص مرارً، رغم أن وجودهم يؤذينا.
في هذا المقال، سنحاول توضيح وفهم لماذا ننجذب الى الشخص الخطأ بشكل متكرر، وما العلاقة بين اختياراتنا العاطفية وطفولتنا، وتقدير الذات، والخوف من الوحدة، والاحتياجات النفسية غير المشبعة بداخلنا.
تؤثر الأسرة في الطريقة التي نفهم بها الحب منذ الولادة؛ فالطفل يراقب شكل العلاقة بين الأبوين، وطريقة التعامل وقت الخلاف، ومستوى الاهتمام والاحترام داخل البيت ومع الوقت، قد يتحول هذا المشهد إلى نمط مألوف ينجذب إليه لاحقًا دون وعي، فقد ينجذب إلى شريك بارد، مسيطر، متجاهل، أو غير متاح عاطفيًا، لأنه يشبه شيئًا اعتاد عليه في طفولته لأن عقولنا تفضل التعامل مع ما هو مألوف حتى إذا كان مؤذيًا.
عندما لا يقدّر الشخص نفسه بالشكل الكافي، قد يشعر أنه لا يستحق علاقة مستقرة وواضحة لذلك يقبل باهتمام قليل، أو حب مشروط، أو معاملة أقل مما يحتاجه فعلًا.
الخوف من البقاء وحيدًا قد يدفع الإنسان إلى التعلق بشخص غير مناسب، حيث أن هذا الخوف يدفعه إلى البحث عن الوجود العاطفي أكثر من بحثه عن التوافق ومن يلائمه. ومع هذا الخوف، يصبح من السهل تجاهل العيوب أو تبرير العلامات التحذيرية من الطرف الآخر.
قد ينجذب بعض الأشخاص لمن يعانون من مشكلات واضحة بدافع التعاطف والرغبة في مساعدتهم. لكن العلاقة الصحية لا تقوم على إصلاح الطرف الآخر، لأن محاولة تغيير شخص لا يريد التغيير قد تتحول إلى استنزاف للطرفين.
من التوقعات غير الواقعية التي يقع فيها كثير من الناس، خصوصًا في العلاقات العاطفية، الاعتقاد بأنهم يستطيعون تغيير الطرف الآخر بمجرد الارتباط به أو الاقتراب منه هذا التفكير يجعلنا نتجاهل حقيقة مهمة أن ما نراه أمامنا الآن هو غالبًا ما سنتعامل معه لاحقًا وبشكل مضاعف، لأنه ليس مجرد مرحلة مؤقتة ستختفي بمجرد أن تبدأ العلاقة.
فعندما يدخل أحد الطرفين العلاقة وفي داخله رغبة في تغيير الآخر، تبدأ مقاومة الطرف الأخر في الظهور؛ لأن لا أحد يحب شعور أن الطرف الآخر لا يقبله كما هو ومع الوقت، تتحول العلاقة إلى مساحة من الضغط والخلافات، بدلًا من أن تكون قائمة على التقبل والوضوح.
قبل الدخول في أي علاقة، من المهم أن تعرف احتياجاتك وحدودك. لا تقبل بعلاقة لا تمنحك الاحترام أو المساحة من التفاهم الذي تحتاجه. إذا لم تكن واضحًا مع نفسك بشأن ما تريده، فقد تجد نفسك تتقبل أي شيء، حتى لو لم يكن مناسبًا لك.
ضعف تقدير الذات قد يجعلك تقبل بعلاقة أقل مما تستحق، أو تظن أن وجود الشخص الخطأ أفضل من عدم وجود أحد. إذا كنت قد مررت بتجارب مؤلمة أو إساءة في الماضي، فقد يكون من المفيد أن تعمل على التعامل مع هذه التجارب بوعي من خلال الحصول على مساعدة من مختص.
إذا وجدت نفسك تحب شخصًا يحمل صفات لا تستطيع تقبلها، فلا تراهن على أنك ستغيره لاحقًا. من المهم أن ترى الشخص كما هو الآن، لا كما تتخيل أنه قد يصبح لاحقاً. يجب عليك التفكير هل تستطيع التعامل مع هذه التصرفات أو قبول هذا الشخص كما هو أم تنتظر أن يتغير مع الوقت ؟
وجودك خارج علاقة لا يعني أن حياتك ناقصة. يمكنك استغلال الوقت في اكتشاف اهتماماتك، تطوير نفسك، الاهتمام بصحتك النفسية، وتجربة أشياء جديدة. عندما تصبح حياتك ممتلئة بذاتك، تقل احتمالية أن تتمسك بشخص فقط لأنه يمنحك شعورًا مؤقتًا بالاهتمام.
التسرع من أكثر الأسباب التي تجعلنا لا نرى صورة الشخص بشكل كامل. فلا تدخل علاقة جدية قبل أن تعرف الشخص جيدًا، وتفهم طريقة تفكيره، وقيمه، وحدوده، وطريقة تعامله وقت الخلافات. الوقت يكشف الكثير وكلما تمهلت، قلت احتمالية الوقوع في حب الشخص الخطأ.
ليس من الخطأ أن تستشير شخصًا ناضجًا أو لديه خبرة جيدة في العلاقات. أحيانًا عندما نكون داخل العلاقة يجعلنا لا نرى الصورة بوضوح. وجود رأي خارجي قد يساعدك على الانتباه لما تتجاهله، بشرط أن تختار من ينصحك ولا يزيد من ارتباكك.
في أغلب الأحيان، العودة إلى شخص سابق لمجرد الشعور بالحنين أو الوحدة قد تعيدك إلى نفس الخلافات. قبل أن تعود، يجب أن تفكر هل تغيّر شيء أم تتهرب من الوحدة فقط ؟
التغيير يبدأ عندما تتعرف على النمط المتكرر في اختياراتك ومحاولة تجنبه ويحدث ذلك من خلال تحديد الطريقة التي تتعرف بها على هؤلاء الأشخاص، كيف تسير هذا العلاقات وسلوكك فيها، وما الصفات المشتركة بينهم.
لا تدخل علاقة مع شخص غير متاح، سواء كان مرتبطًا، متزوجًا، أو غير مستعد لعلاقة واضحة. اختيار شخص لا يستطيع أن يمنحك ما تحتاجه سيضعك من البداية في علاقة ناقصة. فإذا كنت تريد التوقف عن الانجذاب للشخص الخطأ، فابدأ باختيار أشخاص يمكنهم فعلًا أن يكونوا واضحين، ومستعدين لعلاقة حقيقية.
في النهاية، الانجذاب إلى الشخص الخطأ لا يعني أنك لا تفهم العلاقات، أو أنك لا تستحق علاقة صحية وآمنة. في كثير من الأحيان، هو إشارة إلى أن هناك نمطًا لاختياراتك يحتاج إلى فهمه وإعادة توجيهه بشكل صحيح. لذلك، لا يكون التخطي الصحي والحقيقي في العلاقات القديمة فقط بنسيان الشخص، بل في فهم الأسباب التي جعلتك تنجذب إليه من البداية وكونه غير مناسب لك.
نعم، يمكن تغييره بالوعي ووضع الحدود وربما العلاج النفسي فالاختيارات العاطفية ليس شيئاً ثابتًا. عندما يتغير مفهومك عن الحب، تتغير اختياراتك تدريجيًا.
لأن بعض الناس اعتادوا ربط الحب بالتوتر. فإذا جاءهم حب هادئ، شعروا أنه بلا شغف. لكن الهدوء لا يعني غياب الحب، بل قد يكون علامة على النضج والأمان.
يجب أولاً أن تمنح نفسك فترة مناسبة للتعافي جيداً، لا تدخل علاقة جديدة فقط لتنسى القديمة. اكتب ما تعلمته، ضع حدودك بوضوح، اقترب من أشخاص آمنين، واطلب دعمًا نفسيًا إذا كنت لا تستطيع التخلص من تأثير هذه التجربة.
المشاعر مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لاختيار علاقة مستقرة. أحيانًا ننجذب لشخص بسبب مظهره، ذكائه، غموضه، أو لأن له حضور قوي، لكن الانجذاب للصورة الخارجية لا يعني بالضرورة وجود توافق حقيقي يصلح لعلاقة طويلة ومستقرة.
نعم. أحيانًا يكون الشخص الخطأ ليس مؤذيًا أو سيئًا، لكنه غير مناسب لاحتياجاتك، قيمك، أو شكل العلاقة الذي تحتاجه. عدم كون الشخص غير مناسب لا تعني دائمًا أنه شخص سيء.
لأن التعلق لا ينتهي بمجرد فهم الحقيقة. العقل قد يعرف أن العلاقة مؤذية، بينما الجسد والمشاعر مازالا مرتبطين بلحظات الأمان القليلة، والوعود، والذكريات، وأن الشخص قد يتغير.
آخر تحديث: Monday 27 July 2026 08:58