لماذا نتجادل؟ في الحقيقة، نحن نتجادل لنصل إلى حل، ولكن حين يكون العناد جزء من النقاش؛ ننسى المشكلة الأصلية ويصبح هدفنا الوحيد هو ألا نكون الطرف الذي تنازل. هذه الرغبة في عدم الخسارة في النقاش هي التي تجعل الخلافات التافهة تتحول إلى مشكلة حقيقية. في هذا المقال، نناقش أسباب العناد بين الأزواج، تأثيره على العلاقة، وكيف يمكن التعامل معه بذكاء دون كسر مشاعر الود بين الطرفين أو خسارة الطرف الآخر.
ينشأ العناد داخل العلاقات نتيجة تداخل عوامل نفسية وسلوكية واجتماعية، ولا يظهر عادةً من فراغ. فهو انعكاس لطريقة تفكير الشخص، وخبراته السابقة، وقدرته على التواصل والتعامل مع الخلاف. ومن أبرز أسبابه غياب النضج العاطفي، والحاجة إلى إثبات الذات أو فرض السيطرة، لا سيما في العلاقات التي يسودها التسلط، إضافة إلى الجروح النفسية غير الملتئمة والخوف من فقدان الشخص لمكانته في العلاقة أو الخضوع للآخر. ومع مرور الوقت، يتحول هذا العناد إلى تمسك مبالغ فيه بالرأي، حتى في حال ثبوت خطئه، مع رفض الاستماع للطرف الآخر أو التقليل من وجهة نظره، الأمر الذي يثقل كاهل العلاقة ويفتح بابًا دائمًا للنزاعات.
عدم النضج العاطفي:
يظهر عندما لا يمتلك الشخص القدرة الكافية على فهم مشاعره أو التعامل معها بشكل متوازن. فيتعامل مع أي اختلاف على أنه هجوم شخصي، ويبالغ في ردود أفعاله. غالبًا ما يرفض الاعتراف بدوره في المشكلة، ويحمّل الطرف الآخر المسؤولية كاملة، مما يحوّل الخلافات البسيطة إلى نزاعات مستمرة ويمنع الوصول إلى حلول.
التجارب المؤلمة السابقة:
تترك التجارب المؤلمة، مثل التعرض للرفض أو الخذلان، أثرًا طويل المدى على طريقة تعامل الشخص مع الآخرين. فيصبح العناد وسيلة لحماية نفسه، لتجنب تكرار الألم أو الشعور بعدم الأمان، بدلاً من التعامل مع المواقف بصراحة أو التفاهم مع الطرف الآخر.
النزعة النرجسية:
حين يركز الفرد على ذاته بصورة مفرطة، يميل إلى اعتبار رأيه هو الأصح دائمًا، ويرفض الاعتراف بالخطأ أو تقبّل وجهة نظر مغايرة، مما يغذي السلوك العنيد.
الخوف من أن يصبح الطرف الضعيف:
ينبع من اعتقاد داخلي بأن التنازل يعني الضعف أو فقدان السيطرة، فيتشبث الشخص بموقفه حتى في المواقف التي تتطلب مرونة وتفاهمًا.
يتشكّل العناد تحت تأثير الوسط المحيط وطبيعة التفاعل داخل العلاقة؛ فقد يكون السبب:
رد فعل على السلوك المتسلط:
عندما يشعر أحد الطرفين بأنه مُهمَّش أو يفرض عليه الرأي، قد يلجأ إلى العناد كوسيلة مقاومة لإثبات وجوده وحماية حدوده.
ضعف مهارات التواصل:
غياب القدرة على الحوار الهادئ، أو التعبير الواضح عن الاحتياجات، يؤدي إلى التمسك بالرأي بدل البحث عن حلول مشتركة أو نقاط وسط.
التربية والنشأة:
النشأة التي لا تعلّم مهارات الحوار واحترام الاختلاف قد تزرع هذا السلوك منذ الطفولة، ليظهر لاحقًا بشكل أوضح في العلاقات.
العناد الدفاعي:
هذا النوع من العناد يظهر عندما يتمسك الشخص برأيه ليس لأنه يعتقد أنه الصواب دائمًا، بل لحماية نفسه من الألم أو الخوف. فمثلاً، قد يرفض الاعتراف بخطأ ارتكبه أو التراجع عن موقفه خوفًا من الانتقاد أو فقدان الاحترام. هنا العناد وسيلة دفاعية أكثر من كونه عنادًا منطقيًا.
العناد الهجومي:
في هذا النوع العناد يظهر عندما يصر الشخص على موقفه بقوة، حتى لو كان خطأً، بهدف إثبات قوته أو تفوقه، وليس لمجرد الدفاع عن نفسه.
العناد الصامت:
يختلف هنا عن التمسك الظاهر بالرأي، فهو رفض غير معلن للحوار أو التعاون. الشخص قد لا يقول "لا" بشكل صريح، لكنه يرفض المشاركة أو يضع العقبات، كطريقة غير مباشرة للتشبث بموقفه أو رفض مطالب الآخر.
العناد المؤقت:
هذا النوع يظهر في مواقف معينة فقط، وليس سمة ثابتة للشخصية. التمسك بالرأي مرتبط بضغوط أو موقف محدد، ويختفي عندما تهدأ الظروف أو تتضح الحقائق، أي أن العناد هنا رد فعل مؤقت وليس صفة دائمة.
استمرار التمسك بالرأي بدون مرونة يترك آثارًا واضحة على العلاقة، منها:
يؤدي العناد المستمر بين الزوجين إلى حدوث الطلاق العاطفي وتباعد يقلل من التفاهم بينهما.
التمسك بالرأي بشكل مستمر يضعف الثقة ويثير شعور أحد الطرفين بعدم التقدير، فيشعر أن رأيه ومشاعره غير مهمة.
يتسبب التكرار المستمر للخلافات حول نفس الموضوع في تحويل المشاكل الصغيرة إلى جدالات مستمرة بلا حل.
يتحول الصراع أحيانًا من مجرد اختلاف في الرأي إلى هجوم شخصي، مما يزيد التوتر ويضر بالعلاقة.
يُعد العناد من السمات التي تهدد استقرار العلاقة الزوجية، ويجب التعامل معه بحذر، فغالبًا لا يدرك الشريك العنيد مدى الأثر السلبي لتصرفاته على العلاقة. ومن أبرز صفات هذا الشريك:
اتخاذ قرارات منفردة:
يميل الشريك العنيد إلى اتخاذ القرارات دون إشراك الطرف الآخر، ما يقلل من شعور الشريك بالمساواة ويضعف التعاون بينهما.
الإصرار على الكلمة الأخيرة:
يسعى دائمًا لأن يكون صاحب الرأي النهائي، ويميل إلى رفض أي فكرة جديدة حتى لو كانت مفيدة.
عدم إدراك نتائج الأخطاء إلا متأخرًا:
بسبب عناده وعدم الإصغاء، غالبًا لا يدرك الشريك العواقب السلبية لأفعاله إلا بعد فوات الأوان.
الرغبة في السيطرة:
تؤدي تصرفاته إلى هيمنته على الطرف الآخر، بينما يبدأ الطرف الأضعف بسحب نفسه من النقاش، مما يضعف التواصل ويؤدي إلى تراجع العلاقة تدريجيًا.
التنازل الصحي لا يعني التخلي عن نفسك أو عن قيمك، بل اختيار المواقف التي تستحق الجهد والتنازل فيها.
يكون تنازلك نقطة قوة تُحسب لك عندما:
يكون الخلاف حول أمور يومية بسيطة لا تمس كرامتك أو مبادئك الأساسية.
يكون الهدف من التنازل الحفاظ على الهدوء واستقرار العلاقة، وليس مجرد الفوز بالنقاش.
تشعر أن التنازل متبادل ويقابله تقدير من الطرف الآخر، ولا يحدث من اتجاه واحد دائمًا.
التعامل مع الشريك العنيد يحتاج إلى ذكاء وصبر أكثر من الحاجة إلى المواجهة. هذه بعض الطرق العملية لتجاوز هذه المشكلة:
1. من المهم أن يشعر الشريك بأنه جزء من اتخاذ القرار وليس مجرد منفذ. الحوار الهادئ الذي يركز على أننا نتحمل المسؤولية معاً، يساعد كثيراً في تقليل رغبة الطرف الآخر في السيطرة أو العناد.
2. أحياناً يكون العناد مجرد دفاع عن النفس.. كلمات التقدير، الحب، والدعم تجعل الشخص يشعر بالأمان، وهذا الأمان هو ما يدفعه تدريجياً للاعتراف بأخطائه واللين في التعامل.
3. خلف العناد أحياناً شخصية تجد صعوبة في التعبير عن مشاعرها، أو تعاني من ضغوط العمل، الوقوف بجانب الشريك في لحظات ضعفه يساعده على التخلي عن العناد والعودة للمرونة.
4. الشخص العنيد قد يرفض النقاش إذا شعر بالهجوم، لذلك فاختيار الوقت المناسب والمكان الهادئ والحديث بأسلوب لطيف، يعطي فرصة لكل طرف ليعبر عن رأيه بجدية دون خوف من إلقاء الاتهامات.
5. الحفاظ على الهدوء أثناء النقاش مع الشخص العنيد هي أفضل طريقة للتعامل معه؛ فالهدوء يمتص الانفعال ويجعل الطرف الآخر يراجع نفسه دون أن يشعر بأنه في معركة.
6. إذا وصلت الأمور لطريق مسدود ولم تنجح المحاولات السابقة، لا بأس من استشارة أخصائي في العلاقات الزوجية. المختص يمكنه تقديم حلول محايدة تساعد في استعادة التوازن والهدوء للبيت.
الأسئلة الشائعة
هل العناد دليل على عدم الحب؟
لا، لكنه قد يدل على ضعف مهارات التعبير أو الخوف من التنازل.
هل يمكن استمرار العلاقة مع شخص عنيد؟
نعم، بشرط وجود وعي، وحوار صريح، واستعداد متبادل للتغيير.
هل الصمت نوع من العناد؟
في بعض الحالات نعم، خاصة إذا استُخدم كعقاب أو تهرب من النقاش.
هل الاستشارة الأسرية تساعد؟
بالتأكيد، فهي تساعد على فهم جذور المشكلة وتقديم حلول عملية.
في النهاية، العلاقة الصحية لا تقوم على من يربح النقاش، بل على من يحافظ على الود والاحترام. العناد قد يمنح شعورًا مؤقتًا بالقوة والسيطرة، لكن التفاهم هو ما يمنح الاستقرار داخل العلاقة على المدى الطويل.
آخر تحديث: Tuesday 17 February 2026 07:17