كثيرًا ما تُثار تساؤلات وجدالات حول قوامة الرجل، ويعود ذلك في الغالب إلى الخلط بين المفهوم الشرعي الصحيح، وبين ممارسات خاطئة نُسبت إلى القوامة ظلمًا. فقوامة الرجل ليست امتيازًا مطلقًا، ولا أداة تسلط، بل تكليف ومسؤولية قائمة على العدل والرحمة، تهدف إلى استقرار الأسرة وحفظ كيانها.
في هذا المقال سنوضح مفهوم القوامة كما شرعه القرآن الكريم، وسبب تشريعها، والمفاهيم الخاطئة حولها، ومتى تسقط القوامة من الرجل.
أن يكون الرجل قوامًا في الأسرة لا يعني فرض السيطرة أو التحكم في كل شيء، كما يعتقد البعض، بل يعني تحمّل مسؤولية القيادة والرعاية بشكل متوازن. القوامة هي قدرة الرجل بالقيام على شؤون الأسرة بوعي واهتمام، وتشمل عدة جوانب أساسية:
الرجل القوام يهتم بأمان الأسرة واستقرارها، سواء من الناحية المادية أو النفسية. فهو يسعى لتوفير احتياجات أسرته الأساسية، ويحرص على حمايتهم من المخاطر أو الضغوط، والمحافظة على توفير جو من الطمأنينة داخل المنزل.
القوامة تتطلب قدرة على تنظيم شؤون الأسرة واتخاذ القرارات المناسبة عند الحاجة، دون أن يعني ذلك تجاهل آراء الآخرين. القرارات المتخذة يجب أن تكون مستندة إلى العقل والحكمة والمصلحة العامة للأسرة، مع مراعاة مشاعر الزوجة والأبناء واحتياجاتهم.
يمكن تشبيه القوامة بـقيادة السفينة؛ فوجود القائد لا يعني أن باقي الطاقم بلا دور، بل على العكس، القائد يوجّه السفينة ويضمن سلامة الرحلة، خاصة عند مواجهة الصعوبات. القائد الناجح يعرف متى يتخذ القرار ومتى يمنح المجال للطاقم للمساهمة في سير الأمور بسلاسة.
وردت القوامة في القرآن الكريم بنص صريح، حيث قال الله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾.
هذا النص يوضح أن القوامة ليست مسألة تفضيل أو تفوق في القيمة الإنسانية بين الرجل والمرأة، بل هي مسؤولية محددة ووظيفة مقررة على الزوج داخل الأسرة.
ويوضح القرآن أن تشريع القوامة له سببان رئيسيان:
القدرة على النفقة وتحمل الأعباء المالية:
الرجل مكلف بتوفير متطلبات الأسرة الأساسية، مثل المأكل والمأوى والملبس، والقيام بالالتزامات المالية الضرورية للحياة الأسرية. هذه المسؤولية المالية هي الأساس الحقيقي للقوامة، وليست أداة للتسلط.
الاستعداد الفطري لتحمل المسؤولية والحماية:
القوامة تتطلب قدرة الرجل على تنظيم شؤون الأسرة وحمايتها من المخاطر، واتخاذ القرارات عند الحاجة بما يحقق مصالح الجميع. هذه القدرة الطبيعية على القيادة والرعاية هي ما تجعل الرجل مؤهلاً للقيام بدور القوام، وليس مجرد تفضيل للجنس.
إذًا، القوامة مبنية على التكليف والمسؤولية، وليست امتيازًا أو مقياسًا للقيمة الإنسانية. فالإنسان عند الله تعالى يُقدَّر بتقواه وأعماله الصالحة وقدرته على تحمل المسؤولية، وليس بجنسه.
القوامة ليست وسيلة لفرض سلطة الرجل على المرأة، ولا شكلًا من أشكال التمييز، بل هي مسؤولية تنظيمية تهدف إلى حماية الأسرة وتحقيق توازنها. وجود الرجل القوام يضمن أن لكل فرد في الأسرة دور ومسؤوليات واضحة، مما يقلل من الالتباس والتضارب في المهام اليومية ويحد من الخلافات الناتجة عن اختلاف التوقعات.
غياب القوامة أو عدم وضوحها غالبًا يؤدي إلى الفوضى الأسرية، إذ تتشتت المسؤوليات ويزداد التوتر بين الزوجين والأبناء. ومن هنا، القوامة ليست تمييزًا ضد المرأة، بل ضرورة لضمان استقرار الأسرة، وتحقيق العدالة والتفاهم بين جميع أفرادها.
القوامة في الإسلام ليست حقًا مطلقًا للزوج، بل هي مسؤولية وواجب مرتبطان بالإنفاق وإدارة الأسرة. ووفق آراء بعض الفقهاء فإن القوامة قد تضعف أو تسقط عن الرجل إذا امتنع عن الإنفاق على زوجته وأبنائه. فالإنفاق يُعد تكليفًا شرعيًا يشمل المأكل والملبس والسكن واحتياجات الأسرة الأساسية. وإذا امتنع الزوج عن أداء هذا الواجب، فإن قوامته تسقط فورًا، ويشرع للزوجة طلب فسخ النكاح بالوسائل المشروعة.
القوامة تعني السيطرة والتحكم
من أكثر المفاهيم انتشارًا أن القوامة تخوّل الرجل حق التحكم الكامل في حياة المرأة وقراراتها. والحقيقة أن القوامة ليست سيطرة، بل قيام على الشأن الأسري بالرعاية والتنظيم وتحمل المسؤولية، لا إلغاء الإرادة أو تقييد الحرية.
القوامة تفضيل مطلق للرجل على المرأة
يظن البعض أن القوامة دليل على تفوق الرجل إنسانيًا أو دينيًا، وهذا فهم غير صحيح. فالقوامة تكليف وظيفي مرتبط بأدوار محددة، لا تفضيل في الكرامة أو القيمة، إذ إن المقياس الحقيقي عند الله في التفضيل هو التقوى.
القوامة تعني الطاعة العمياء
يرتبط مفهوم القوامة عند البعض بفكرة الطاعة المطلقة دون نقاش أو اعتراض. والصحيح أن الطاعة في الإسلام مقيّدة بالمعروف، ولا طاعة في معصية، ولا في ظلم أو إضرار.
القوامة تبرر العنف والإهانة
من أخطر المفاهيم الخاطئة اعتبار القوامة غطاءً شرعيًا للعنف الجسدي أو النفسي. بينما القوامة الحقيقية تقوم على الرحمة وحسن المعاشرة، وأي أذى يُناقض مقاصدها ويُبطل معناها الأخلاقي.
القوامة تعني إلغاء دور المرأة
يظن البعض أن وجود القوامة يعني أن المرأة بلا دور في القرار أو الرأي. والحقيقة أن القوامة لا تلغي الشراكة، بل تنظّمها، وتجعل القرار النهائي مسؤولية من تحمّل العبء، بعد التشاور لا الإقصاء.
القوامة ثابتة مهما أساء الرجل استخدامها
من المفاهيم الخاطئة أن القوامة حق دائم مهما كان سلوك الرجل. والصحيح أن القوامة مرتبطة بقيام الزوج لواجباته تجاه أسرته ويضعف تأثيرها عند الظلم أو الإهمال أو العجز عن النفقة.
القوامة تناقض المساواة والعدل
يُصوّرها البعض على أنها تناقض العدالة بين الزوجين. بينما القوامة في حقيقتها تهدف إلى تحقيق العدل عبر توزيع الأدوار، لا المساواة الحسابية الجامدة.
في النهاية، القوامة في الإسلام ليست مجرد سلطة، بل هي مسؤولية رعاية وحماية. الرجل الذي يلتزم بالإنفاق على أسرته، ويعامل زوجته بالعدل والاحترام، ويحرص على إدارة شؤون المنزل بحب واهتمام، يجعل من قوامته مصدر طمأنينة وسعادة لكل فرد في الأسرة ويقوي الروابط بين أفرادها.
آخر تحديث: Tuesday 17 February 2026 07:20